المنجي بوسنينة

598

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

واختلف في أوّل مهن أبي تمام نفسه : أكان صبي خمّار أم صبي حائك . ويظهر أنّه زار مصر ، في الأقلّ مرّتين ، مرّة وهو صبي ، وتصرّ أسطورة أن تجعله يمتهن السقاية في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط . وعندما كان بمصر بين سنتي 211 - 214 ه ، واتصل بواليها عبد اللّه بن طاهر الخزاعي ولاء ( 182 - 230 ه ) ومدحه . ومدح عياش بن لهيعة الحضرمي الذي عاد فهجاه لأنّه لم يدفع له ثمن مدحه الأول . وكما تفتقت شاعريّة أبي تمام بمصر بدأ هناك أوّل الفتوق بينه وبين الشعراء . غادر مصر إلى حمص ، وبها التقى الشاعر ديك الجن ( 161 - 230 ه / 778 - 750 م ) وأخذ عنه . وفي سنة 215 ه كان الخليفة المأمون قد رجع ( ت 218 ه ) من غزو الروم عن طريق دمشق ، فقصده أبو تمام مادحا . لكنّ المأمون أعرض عنه لميله إلى العلويين . مع أنّ ما أشيع عن تشيعه لم يأت إلّا انتهازيّة وتقربّا من المأمون ، عندما أعلن سنة 212 ه تفضيل الإمام علي رضي اللّه عنه على الخليفتين : أبي بكر ، وعمر رضي اللّه عنهما . اتصل أبو تمام بشيوخ قبيلة طيّىء ومدحهم . ومدح ورثى رجال الدولة في عصره مثل : أبي دلف العجلي ( ت 226 ه / 840 م ) ، وخالد بن يزيد الشيباني ( ت 230 ه ) ووالي الجزيرة الفراتية مالك بن طوق التغلبي ( ت 259 ه / 872 م ) ، ومحمد بن حسان الضبي ( ت ح 230 ه / ح 844 م ) ، والوزير والأديب محمد بن عبد الملك الزيات ( ت 233 ه ) . ورثى محمد بن حميد الطوسي حين قتل سنة 214 ه في حرب ضدّ الخارج على قانون الدولة بابك الخرّمي . وتقول المصادر الحديثة إنّه تردد ، في العقد الثاني من القرن الثالث على الرقّة ، والموصل يمدح رجالهما . وأنّه كان يسرع في العودة إلى الموصل ، متنقّلا بينهما وبين موطنه . ويقول عمر فروخ إنّه « قضى معظم أوقاته في الموصل » . وبعد وفاة المأمون سنة 218 ه ، وتولي المعتصم سدّة الخلافة ، أخذ نجم أبي تمام الشعري يضيء الآفاق ، فاستقدمه عنده ، وصار شاعره الخاص ، يؤرّخ أعماله شعرا . وصحبه في فتح عموريّة ، وقال قصيدته البائيّة الشهيرة ، التي عدّها بعض مؤرّخي الأدب المعاصرين مثل حنا فاخوري ، وشوقي ضيف ، واحدة من ملاحم العرب النادرة في الأدب العربي . وفي آخر سنة أو سنتين من عمره ، سعى صديقه المقرب الحسن بن رجاء ( ت 250 ه ) كاتب الوزير الزيات في توفير التطواف على أبي تمام بين مدن بلاد الشام ، والجزيرة ، ومصر ، وخراسان ، فولاه البريد بالموصل . وهنا لا نعرف عن حياته سوى علاقته مع رجلين أحدهما الحسن بن وهب الذي بقي يتحف أبا تمام بالطرف ، فيتحفه الشاعر بقصائد مدح . وقد أرسل أبو تمام إلى ابن وهب ثلاث قصائد مجموع أبياتها ( 102 ) هي كلّ ديوانه الموصلي . والرجل الآخر هو الشاعر مخلد بن بكّار الموصلي ( كان حيّا سنة 232 ه ) الذي هجا أبا تمام هجاء مرّا قاسيا . ولم يجبه أبو تمام كي لا يرفع من قيمته . وبالموصل توفي في آخر سنة 231 ه أو في المحرم من 232 ه حسب توقيت الشاعر الموصلي ابن بكّار .